ابن حزم

193

الاحكام

برهان كان عاصيا لقول الله تعالى : قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والبغي الحق وأن تشركون بالله ما لم ينزل به مسلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعملون قال علي : وإن العجب ليكثر من الحنفيين ، والمالكيين ، فإنهم يأبون قبول خبر الواحد في عدة مواضع ، ويقولون : قد جاء القرآن بخلافها ، نعم ويتركونها والقرآن موافق لها على ما قد ذكرنا ، ثم يتركون القرآن لنقل لا أحد ، فإن قال قائل : وكيف ذلك ؟ قلنا له وبالله تعالى التوفيق : إنهم يقولون كثيرا بالمرسل ، وهو نقل لا أحد لان المسكوت عن ذكره المجهول حاله هو ومن هو معدوم سواء . وبالله تعالى التوفيق . فصل قال علي : وقد أجاز بعض أصحابنا أن يرد حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكون الاجماع على خلافه ، قال وذلك دليل على أنه منسوخ . قال علي : وهذا عندنا خطأ فاحش متيقن ، لوجهين برهانيين ضروريين : أحدهما : أن ورود حديث صحيح يكون الاجماع على خلافه معدوم ، لم يكن قط ولا هو في العالم فمن ادعى أنه موجود فليذكره لنا ، ولا سبيل له والله إلى وجوده أبدا . والثاني : أن الله تعالى قد قال : * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فمضمون عند كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن ما تكفل الله عز وجل بحفظه فهو غير ضائع أبدا ، لا يشك في ذلك مسلم ، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم كله وحي بقوله تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) * والوحي ذكر بإجماع الأمة كلها ، والذكر محفوظ بالنص ، فكلامه عليه السلام محفوظ بحفظ الله عز وجل ضرورة ، منقول كله إلينا لا بد من ذلك . فلو كان هذا الحديث الذي ادعى هذا القائل أنه مجمع على تركه ، وأنه منسوخ كما ذكر لكان ناسخه الذي اتفقوا عليه قد ضاع ولم يحفظ ، وهذا تكذيب لله عز وجل في أنه حافظ للذكر كله ، ولو كان ذلك لسقط كثير مما بلغ عليه السلام عن ربه ، وقد أبطل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله في حجة الوداع : اللهم هل بلغت .